اخواني الكرام زوار المدونة
تحية طيبة لكم و من القلب الى القلب
و بعد
ارجو منكم ابداء رأيكم في المدونة بشكل موضوعي و اعطائي الملاحظات التي يتوجب علي القيام بها من خلال ابراز ما ينقص المدونة كبداية و كمضمون و ذلك من خلال التعليق على
| ► | أيار 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |

اخواني الكرام زوار المدونة
تحية طيبة لكم و من القلب الى القلب
و بعد
ارجو منكم ابداء رأيكم في المدونة بشكل موضوعي و اعطائي الملاحظات التي يتوجب علي القيام بها من خلال ابراز ما ينقص المدونة كبداية و كمضمون و ذلك من خلال التعليق على
… الرُّومنسيَّة:
لا ينحصر هذا المفهوم إطلاقاً في مجال الفنون وحسب. ولا يتناوله مؤرخو ومنظّرو الأدب والموسيقى والرسم وحدهم. إننا نكاد نصطدم به يومياً في شتّى مجالات وجودنا الشخصي والاجتماعي، إذا ما نظرنا إليه في معناه الأخلاقي قبل كل شيء. إن الطبع الرومنتيكي(1) لدى الإنسان، فِعله الرومنتيكي، هو دائماً شيء رفيع، نبيل ونزيه لا يرتبط بحساب عقلاني، ويمكن أن يكون مفرطاً في انفصاله عن الواقع حيناً، وطافحاً بالإعجاب تارة، إلاَّ أنه يصبو دائماً إلى مَثَلٍ أخلاقي ما. والرومنسية شبوب عاطفي عميق، إنها نضال وتمرد.
أما مفهوم الرومنسية العلمي (الذي سيكون بعد قليل موضع حديثنا حصراً) فيختلف جوهرياً عن جميع ما يدور حوله من تصورات متداولة، إلاَّ أنه لا يناقضها على الإطلاق.
إذ إن السمات المذكورة أعلاه ليست هي الرومنسية في فهمها النظري العلمي، والتاريخي الملموس، ولكنها الرومنتيك الذي يعتبر عنصراً جوهرياً من عناصر الرومنسية، بوصفه نمطاً معيّناً من أنماط إدراك العالم، ومنهجاً إبداعياً في الفن والأدب. وخلافاً للرومنسية التي هي ظاهرة تاريخية ملموسة، تخص الفن والأدب في مرحلة زمنية محددة ومنظورة تماماً، نجد أنّ الرومنتيك يتمثل لدى الفرد في مزاجه العاطفي الروحي المحدد، وفي طموحه إلى مثالٍ ما يتميز عن الظروف الواقعية المحيطة به، في نزوعه الدائم نحو الجديد، وفي طموحه إلى لا نهائية مكنونة، وفي رفضه سكونية الوجود اليومي. لذا، فإننا، إذا ما تحدثنا عن الرومنسية، بوصفها منهجاً إبداعياً فنياً، نتحدث عن (الرومنتيك) بوصفه يعني المبادئ الأخرى للرؤية الفنية ولإدراك الواقع بوصفه تطلعاً إلى أفق محدّد، وإن لم يكن واقعياً بدرجة كافية دائماً، بوصفه حلماً بمثال الرائع (الجميل) والتناغم الاجتماعي والأخلاقي. وهكذا فإن ف. غ. بيلينسكي، الذي قدّم معالجة واسعة لمفهوم الرومنسية، يخصص مكاناً جوهريا لمعنى (الرومنتيك) ويعزوه إلى العالم الروحي الداخلي للفرد: “إن الرومنسية، في معناها الأضيق والأكثر جوهرية، ما هي إلاَّ العالم الداخلي لنفس الإنسان، حياة قلبه الدفينة… وميدانها مجمل حياة الإنسان الروحية الداخلية، تلك التربة السرية للروح والقلب، التربة التي تنبع منها جميع الطموحات الغامضة نحو الأفضل والأسمى، عندما تحاول أن تجد إرضاء لنفسها في المُثُل التي يبدعها الخيال”(2).
يمكن أن يكون (للرومنتيك) أيضاً معنى مختلف تماماً، عندما يرتبط بأوهام رومنسية عقيمة، بأحلام خيالية لا تنتهي. هذه (الرومنتيكية) التي كثيراً ما سمّيت عندنا، بعد غوغّل، بالمانيلوفية(3)، لا تفيد، بالطبع، في تأكيد المُثل الإيجابية. لقد عرى بوشكِن هذه الأوهام بسخرية لاذعة حين قال:
“كم كان يُكتب بغموض وذبول،
ما نسميه رومنسية
وإن كنت لا أرى، هنا،
ولو قليلاً من الرومنسية. ولكن، ما لنا ولهذا؟”
وكذلك فعل رومنسيون آخرون، مثل هوفمان وهايني، وخصوصاً فلوبير، الذي قدّم (هذا الرومنتيك) في إبداعه بسخرية لا ترحم.
يمكننا بهذا الشكل أو ذاك أن نؤكد بثقة تامة أن فهم الرومنسية العلمي أو السائد في العلاقات الإنسانية العامة، هو فهم يعود في نشوئه إلى منابع الرومنسية التاريخية الملموسة، بوصفها جملة من المبادئ الجمالية الفكرية، والفنية والفلسفية، التي حدّدت، بهذا القدر أو ذاك، مختلف أشكال الوعي الاجتماعي. بينما تطورت هذه التصورات حول الرومنسية فيما بعد تبعاً لتطور هذا الاتجاه في الحياة الإيديولوجية. وعلاوة على ذلك، فرغم أن الرومنسية، عبر تجليها التاريخي الملموس في مختلف أنواع الفن والأدب، قد أنهت تطورها منذ زمن بعيد، كمنهج أساسي في استيعاب الواقع فنياً، ظلّت إبداعات الرومنسيين خالدة باعتبارها لبنة أساسية في تطور الثقافة البشرية. أما إذا ما نظرنا إلى الرومنسية كقضية علمية، رأينا أنها، فضلاً عن كونها موجودة منذ قرابة قرنين من الزمن، تزداد إلحاحاً منذ أواسط ستّينيات القرن العشرين، وخاصة في علم الأدب الروسي. ومن المهم هنا أن نؤكد على أن هذا الإلحاح ليس مصطنعاً أو وليد جهد فكر نظري إداري، زد على ذلك أن ظاهرة الرومنسية بالذات هي حقّاً على درجة قصوى من التعقيد، سواء في تنوع وجوهها المتعددة أو في تناقضها العميق. ومع ذلك، فإن السبب الأساسي للإلحاح العلمي، بل الإلحاح المتعاظم الذي تكتسبه هذه القضية، يكمن في أن هذه الرومنسية، التي تبدو شديدة البعد عنّا زمنياً، إنما يمتد تأثيرها الجمالي والفكري الفلسفي حتى أيامنا هذه. وتتجدد العودة باستمرار إلى تراث الرومنسيين ليس من قبل القراء وحسب، بل ومن قبل كثير من الأدباء المعاصرين، الذين يهتمون باستعياب تجربة الكتّاب الرومنسية، بل ويتقبلون بعض جوانبها.
* * *
قرّبت نهاية القرن الثامن عشر النهايةَ الحتمية لأوروبا الإقطاعية. فالمؤسسات الإقطاعية التي عمرت قروناً وكأنها راسخة لا تتزعزع، وكذلك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والحقوقية، أخذت جميعها تكشف بوضوح أكبر عن عجزها التام الذي تمثل برجعيتها السياسة والاجتماعية وبغرتها الكاملة عن المُثُل الإنسانية العليا. لقد كان ينمو وينضج في أعماق النظام الإقطاعي ما يعرف بالتنوير الأوروبي، أي النقيض الأيديولوجي الرهيب والمتعاظم الاشتداد. ومع أن رواد التنوير كانوا أحياناً يفضحون بصيغ شديدة اللهجة والحدَّة مختلف الأعراف الاجتماعية في عصر الحكم الإقطاعي المطلق، وكذلك الكنيسة التي كانت حليفته المخلصة وسنده الأمين، إلا أن المنورين الأوربيين لم يكونوا قوة سياسية أصلاً. فبعد أن زين هؤلاء راياتهم بشعارات الحرية والإخاء والمساواة، التي كانت شعارات ساطعة وجذابة بقدر ما هي غامضة ومجردة، أصبحوا المعبّرين عن المرحلة الرائعة الجديدة في تطور الفكر الطوباوي في أوروبا؛ فأيديولوجيا التنوير بالذات هي التي هيأت تعاليم الاشتراكيين الطوباويين الأوروبيين الذين تركوا بصمات جوهرية جداً ليس فقط على الحياة الإيديولوجية، بل وعلى الحياة السياسية والاجتماعية لعدد من دول أوربا، على الأقل خلال العقود الثلاثة، بل الأربعة الأولى من القرن التاسع عشر، ولئن كانت الاشتراكية الطوباوية، على الرغم من كل مساهمتها الجوهرية في مسألة التقدم الاجتماعي، قد أصبحت مع الزمن، قوة معوقة لهذا التقدم، فإن المنورين، برغم كل طوباوية مثُلهم، هم بالذات من كانوا مؤهلين لإعداد هذا الانفجار الاجتماعي والسياسي الجبار، المتمثل في الثورة الفرنسية العظمى /1789 ـ 1794/ التي اكتسبت صدى أوروبياً شاملاً على امتداد القرن التاسع عشر بأكمله.
لقد جعلت الثروة البرجوازية الأولى فرنسا، وبصورة رئيسية عاصمتها باريس، تحتل دوراً رائداً ومكانة مركزية في الحياة السياسية في أوروبا زمناً طويلاً. غير أن إنكلترا كانت الدولة الأكثر تطوراً من الناحية الاقتصادية في ذلك الوقت. إذ أنجزت ثورتها البرجوازية منذ أواسط القرن السابع عشر، سابقة فرنسا بمسافة طويلة على طريق التطور الاقتصادي البرجوازي. ونتج عن ذلك أن راح التنوير الإنكليزي ينمو في كثير من الجوانب بطرق مختلفة عمّا في فرنسا. وعلى الرغم من دوره الفاعل في الحياة الاجتماعية الإيديولوجية للبلاد، فإن المرحلة النهائية من الانقلاب الصناعي، الذي ترجع أصوله إلى القرن التاسع عشر، كانت العامل الحاسم هنا. ومع أن الانقلاب الصناعي الذي عرفته إنكلترا أواخر القرن الثامن عشر وتتوّج سياسياً بالإصلاح البرلماني عام 1832 لم يرافقه ذلك الانفجار السياسي العاصف، الذي كان لـه شأنه في الجهة الأخرى من المانش، نظراً لكونه جرى بروح المصالحة السياسية المميزة تماماً للحياة الاجتماعية الإنكليزية، بل وللشخصية الإنكليزية، إلا أنه كان في مضمونه الاجتماعي والصناعي انقلاباً قريباً من الثورة الفرنسية. وفي الوقت نفسه، فإن المناخ الأيديولوجي والسياسي الذي ساد أوروبا عقب ذلك لا يمكن الاقتصار في تفسيره على تبعات الأحداث في فرنسا وحسب، دون أن نأخذ بعين الاعتبار التطورات الاجتماعية العميقة التي جرت في إنكلترا خلال تلك الفترة. فإبان انهيار هذين العصرين انهيار حاداً وعاصفاً شرعت الرومنسية، التي أصبحت هي والاشتراكية الطوباوية المعبّر الأيديولوجي الرئيس عن العصر، تبرز مواكبةً وعاكسةً المرحلة الأولى من تكون العلاقات البرجوازية الجديدة في أوروبا ضمن حدود العقود الثلاثة الأولى من القرن التاسع عشر. وقد درج الباحثون، في أكثر ما شاع من دراساتهم حول الرومنسية، على الانطلاق من أن الرومنسية كانت ردَّ فعل على الثورة الفرنسية وأقربَ عواقب تلك الثورة. غير أن هذا القول، الصحيح في أساسه، يحتاج إلى تدقيق جوهري وضروري بالنسبة (….) لنظرية الرومنسية الأدبية في عدد من تنوعاتها القومية. ومع الإقرار بكل ما للثورة الفرنسية من أهمية هائلة، ليس فقط بشأن ظهور الرومنسية، بل وبشأن تطورها اللاحق أيضاً، فإن هذه الثورة لم تكن على الإطلاق العامل الوحيد والحاسم الذي حدد نشوء هذه الظاهرة الأدبية والأيديولوجية العامة بالنسبة لمختلف المناطق القومية. إذ كان أدب كل بلاد ينطوي على مقدمات تحكمت بمنابع الرومنسية وأملت خصوصيتها. وقد سبق أن لفتنا في هذا الصدد إلى دور المرحلة الختامية من الانقلاب الصناعي في إنكلترا. حقاً، لقد كانت الثورة الفرنسية تقف أيضاً على الدوام، وبدرجة متفاوتة التأثير والتفاعل، وراء هذه العوامل القومية حصراً.
ينبغي أن نتابع هذا التدقيق على مستوى آخر أيضاً. فقد كانت الثورة الفرنسية، وكذلك أحداث الحياة السياسية الاجتماعية في البلدان الأخرى، مقدمات سياسية اجتماعية للرومنسية، ولكن كانت قد نضجت ثمة، في أعماق النظام الإقطاعي، مقدمات جمالية أيضاً، على غرار معايير النمط الاقتصادي السياسي البرجوازي، وتشكلت تلك المقدمات في معظمها أثناء مرحلة التنوير المتأخرة، أي قبل الثورة الفرنسية بعهد طويل. ولهذا نجد أن العملية الأدبية والنظريات الأدبية خلال القرن الثامن عشر كانت تنطوي على عدد غير قليل من الظواهر الجوهرية جداً التي تسمّى ما قبل الرومنسية(4) (مع كل شرطية هذا المصطلح).
لم تكن الرومنسية، بالتالي، فتحاً جديداً بصورة مطلقة، ظهر في جو التغيرات التي استدعتها الثورة الفرنسية.. ولا جدال في أن المناقضة بين كلاسية ورومنسية (وهي مسألة ما تزال سارية المفعول) وإن كانت لا تغير تصورنا عن الرومنسيين باعتبارهم أسقطوا الكلاسية، إلا أنها تبين لنا، إذا ما نظرنا إليها في جوهرها المتناقض والدياليكتيكي بعمق، أن كثيرين من أولئك الكلاسيين كانوا عن وعي، وفي الأغلب دون وعي، سواء في ممارستهم الفنية أو في بياناتهم النظرية، يتلقون ويعيدون صوغ هذه أو تلك من أفكار أسلافهم، وأحياناً من أفكار أعدائهم اللدودين. وكذلك تؤكد أيضاً، وعلى نحو خاص، تلك الموادُّ الوثائقية تماماً دياليكتيكيةَ العلاقة والمجابهة بين هذين الاتجاهين الأدبيين المختلفين.
وعلى كل حال، فقد كانت الثورة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر ذلك الحدث الحاسم الذي حدّد ظهور الرومنسية ومضمونها الروحي والاجتماعي بالذات. فالمنورون الفرنسيون، الذين مهّدوا لهذه الثورة، كانوا على يقين من أنها ستأتي معها بمملكة العقل والخير والعدل للجميع. ولكن تلك العلاقة الاجتماعية الجديدة، ومعها المعايير الأخلاقية التي أخذت أطرها ترتسم بدقة بالغة خلال عملية الثورة بالذات وتزداد رسوخاً بعد انقلاب آب، تلك المعايير والعلاقات البرجوازية، كانت مخيبة للآمال في بعدها عن مُثل المنورين الساطعة، ثم تبين أنها مجرد وهمٍ طوباوي عملياً. وأصبح بدهياً أن يقال بعد زمن قصير من ذلك أننا نعرف الآن أن مملكة العقل هذه لم تكن إلا المملكة التي مَثْلَنَتْها البرجوازية، وأشاعت أن العدالة الأبدية قد وجدت تجسيدها في القانون البرجوازي، وأن المساواة قد اختزلت إلى مساواة برجوازية أمام القانون، بينما أعلنت الملكية البرجوازية بوصفها واحداً من حقوق الإنسان الأكثر جوهرية.
لقد لاقت الثورة الفرنسية والتنوير الذي مهّد لها معارضة ضارية على أيدي أعدائهما السياسيين المباشرين الذين كانوا يمثلون تلك الطبقات التي أبعدتها الثورة عن حلبة التطور التاريخي. ولكن نتائج هذه الثورة خيبت أيضاً آمال أنصارها الذين صدقوا وعود المنورين.
وهكذا، فتحتْ نتائج الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر مرحلة أزمة حادة في الأيديولوجيا التنويرية، مرحلة مهّد لها، كما للثورة نفسها، مسار التطور التاريخي. ونتج عن ذلك أن ردة الفعل المعادية للتنوير، والمعادية في الوقت نفسه للبرجوازية، تلك الردة ذات التوجه المتباين، بل والتوجه الاجتماعي السياسي المتناقض في أحيان كثيرة، كانت السمة الممّيزة والمحدّدة للجو الروحي الأيديولوجي. وكانت الرومنسية بالذات هي التي عكست بالدرجة الأولى أمزجة العصر المعادية للبرجوازية والمعادية للتنوير، تلك الأمزجة التي كانت وليدة التناقضات الجذرية في الثورة الفرنسية بوصفها برجوازية. من هنا، فإن واحدة من السمات التعميمية الجذرية للرومنسية لا بوصفها مذهباً فنياً أو اتجاهاً وحسب، بل وبوصفها مذهباً شامل النظرة بشكل عام، هي كون الرومنسية تمثّل طوباوية تمخّضت عنها نتائج الثورة الفرنسية، طوباوية تنطوي في ذاتها على نفي العلاقات الاجتماعية التي كرستها تلك الثورة. إن الرومنسية، بوصفها شكلاً من أشكال الأيديولوجيا، لم تستطع، سواء في النظرية أو في الممارسة الفنية، أن تعكس الصفة المزدوجة للتناقض المذكور في الثورة الفرنسية التي تم نفي نتائجها من مواقع سياسية اجتماعية مختلفة. وحين كانت تخيّم لحظات محددة من الشعور بالخيبة تجاه الثورة، لحظات ربما كانت في بعض الأحيان بالغة الحدة، كان يسيطر على جزء من الرومنسيين أمل، بل يقين، بأن مُثُلَهُمْ التقدمية ستجد تجسيدها في المستقبل. بينما كان الأمر الأكثر جوهرية بالنسبة للرومنسيين الآخرين هو بالضبط خيبة الأمل بالثورة، وفقدان الإيمان بتحقّق مُثُلِها، بل ورفضها في بعض الأحيان. وفي هذا المجال، فإن بحثهم عن معايير لعلاقات اجتماعية عادلة، أي خارج إطار البرجوازية، أصبح نكوصياً، وتجلى أحياناً في مثلنة الماضي البعيد، وأحياناً كثيرة في مثلنة القرون الوسطى التي كان الرومنسيون ـ رغم ذلك ـ يسعون إلى تكييفها ومواءمتها مع التطور الاجتماعي المعاصر (نوفاليس، ساوثي، وفينيي إلى حدّ ما).
كانت أكثرية الرومنسيين، ولاسيّما الأوائل منهم، تتميز ببحثها الفلسفي العميق، المباشر أو العفوي. إن قاعدة الانطلاق بالنسبة للرومانسيين هي النظرة الشاملة، المثالية، الساطعة والصاعدة أساساً من المثالية الذاتية الموضوعية. هذا النزوع المثالي إلى اللانهائي، هذا النزوع بوصفه موقفاً من المواقف الجمالية الفكرية المميزة للرومنسية، هو ردة فعل على ريبية التنوير وعقلانية أحكامه وبرودها. لقد أكد الرومنسيون على الإيمان بسيادة المبدأ الروحي في الحياة وخضوع المادة للروح. واعتبروا أن أساس الكون هو الوجود الروحي.
إن دائرة القضايا الواسعة والشديدة التنوع، التي تمثل في مجملها نظرية الرومنسيين الأدبية، إنما تتطّلع من جوانب كثيرة إلى الجمال الفلسفي، الأمر الذي تتصف به الرومنسية الألمانية بالدرجة الأولى، رغم أن هذا التطلّع ليس حكراً عليها وحدها دون غيرها إطلاقاً. لذلك كانت نظرية الرومنسية على نحو خاص نظرية جمالية فلسفية. إذ إن مبادئ المعرفة الفنية وعكس الواقع على أيدي الرومنسيين لا يمكن وعيها بمعزل عن مضمونها الفلسفي. لذلك تجدنا كثيراً ما نسعى إلى إلقاء الضوء على هذا الجانب الجوهري من جوانب الوعي الرومنسي.
كانت عناصر الدياليكتيك ملازمة لفكر الرومنسية الفني الفلسفي. وقد انتقى الرومنسيون من الجماعة البشرية أفراداً ظنوا أنهم يجسدون في أنفسهم الكون كله، وخيل للرومانسيين أن الطريق إلى الشمولية المتناغمة العامة يمر بالضبط عبر تطور الأفراد متعددي المواهب. كما كان الرومنسيون يرون أن الطريق إلى بلوغ التقدم في المجتمعات الدولية يمرّ عبر تطور الأمم المتعددة الجوانب.
لقد كانت منظومة الفكر الرومنسي تتصف بالسعي إلى الإحاطة بالظواهر في علاقاتها وكليتها، بالسعي إلى الشمولية universalism، كما كان الرومنسيون أنفسهم يحبون أن يقولوا. وكتعبير عن هذا الموقف الفلسفي تحديداً، تكوّن مفهوم الأدب العالمي، هذا المفهوم المثمر والشديد الجدة الذي أرسى أسسه الرومنسيون الإيينيون، ولا سيّما شليغل بوجه خاص. وقد انعكست هذه الشمولية الرومنسية في طوباوية الرومنسيين الاجتماعية أيضاً، في أحلامهم الطوباوية بانتصار مُثُلِ التناغم في المجتمع البشري كله.
لقد عزا بيلينسكي الأهمية الأكثر جوهرية للرومنسية إلى العالم الداخلي للإنسان، إلى حياة قلبه الباطنية، فوضع يده على واحدة من السمات الجذريّة والمحددة للرومنسية تميز هذه الأخيرة عن إدراك العالم وعن المنهج الفني عند المنورين. حقاً إن البطل يلاقي في أعمال الرومنسيين الفنية تأويلاً مختلفاً مبدئياً عمّا هو عليه عند المنورين والكلاسيين. فهو يتحول من كونه موضوعاً يعرض القوى الخارجية ليصبح ذاتاً تحدّد الواقع المحيط وتشكّله. وتصبح قضية الشخصية عند الرومنسيين قضية مركزية تتجمع حولها مواقفهم الجمالية والفكرية بكل جوانبها. ويصبح وعي العالم، بوصفه منطلقاً أساسياً في علم الجمال الرومنسي، هو وعي الذات قبل كل شيء. ثم تأكدت لاحقاً في علم الجمال لدى الرومنسيين المتأخرين موضوعة جوهرية للغاية حول ما يسمّى بـ “اللون المحلي”، أي حول وصف الوضع الخارجي (هوغو، نوديه، ثم بايرون جزئياً، وآخرون). ولكن ظلّ حتى هؤلاء الرومنسيون يعطون المقام الأول للشخصية. فدراسة كل من الطبيعة والحب والخيال جميعاً، كانت بالنسبة للرومنسيين طريقاً إلى معرفة واستكناه جوهر الشخصية الإنسانية بوصفها ظاهرة. فقد كان الرومنسيون يرون في الشخصية تمركزاً لقدراتٍ إبداعية لا محدودة، كما كانوا يرون أن النشاط الروحي لشخصية الفرد هو ما يحدد جميع قانونيات استمرار الوجود الموضوعي وتطوره. هذه المركزية ذات الصبغة الإنسانية الذاتية عند الرومنسيين جرّت وراءها تغييراً جوهرياً لسمات المثال المدني الاجتماعي الذي يميّز النظرة الكونية لدى الكلاسيين والمنورين. لقد قام الرومنسيون أثناء معالجتهم قضية الشخصية والمجتمع بنقل الثقل إلى الحد الأول في هذه العلاقة، إذ اعتبروا أن الكشف عن الشخصية الإنسانية وتأكيدها واكتمالها من جميع الجوانب يؤدي في المحصلة إلى تأكيد مُثُلٍ مدنية واجتماعية رفيعة. إن الإيمان بما لدى الشخصية الإنسانية من إمكانات لا محدودة، وبسيادة حقوقها في تجسيد هذه الإمكانات، كان عند الرومنسيين نقلاً وتحويراً فلسفياً لفكرة سياسية هي فكرة الحرية التي رفعها وأكدها رجال الثورة الفرنسية. غير أن الرومنسيين أنفسهم أدركوا وهمية تصوراتهم حول ما للشخصية من قدرات إبداعية مطلقة حتى اصطدموا بالواقع الفعلي. وكنتيجة لإدراك هذا التناقض في علم الجمال عند الرومنسيين الإيينيين ظهرت نظرية المفارقة الساخرة IRONY الرومنسية الشهيرة. فانطلاقاً م
(في الشارع. مائدة عامرة، بضعة رجال ونساء يحتفلون)
شاب
أيها الرئيس المبجل! أذكّركم
بإنسان نعرفه جيداً،
شخص كانت نوادره وقصصه المضحكة
وأجوبته اللاذعة، وملاحظاته
القارصة جداً بأهميتها الطريفة،
تبعث الحياة في منادماتنا
وتبدد الظلمة التي تُغَشّي بها الآن
ضيفتُنا العَدْوى
أذكى العقول عندنا.
منذ يومين كانت قهقهاتنا الجماعية
تُمجِّد قصصه؛ وليس من المعقول
أن ننسى جاكسون
في أثناء مأدبتنا البهيجة.
مقعده هنا شاغر، وكأنه ينتظر
قدومَ الطروبِ المَرِح ـ
ولكن صاحبنا قد ذَهب
إلى مثواه البارد تحت الأرض
إنّ لسانه البليغ
لم يصمت بعد في تراب اللحد
ومازال كثيرون منا
أحياء يرزقون، وليس لدينا من داع
للحزن. لذا أرى
أن نشرب نخب ذكراه
وليعل رنين كؤوسنا بمرح
ولترتفع صيحاتنا
كما لو كان حياً بيننا الآن.
الرئيس
إنه أول من أخلى مكانه
في مجلسنا. فلنشرب
على شرفه ونحن صامتون.
الشاب
فليكن كما تريد.
(يشرب الجميع صامتين)
الرئيس
صوتكِ، يا عزيزتي، يؤدي
أغانينا المحبّبة بإتقان عجيب
غنّي، يا ماري، لنا بشجوٍ مديد
كي نُقْبلَ بعد ذلك على اللهو
بجنون أشدّ، كذاك الذي خطَفَتْه
رؤيا ما من دنيانا.
ماري (تغني)
أتى حين من الدهر
ازدهرت فيه بلادنا؛
كانت كنيسة الرب تمتلئ
في أيام الأحد وفي المدرسة الصاخبة
تعلو أصوات أطفالنا
وفي الحقول النيرة
يلتمع المنجل والمِحَشّ.
أقفرت الكنيسة الآن؛
وأوصِدتِ المدرسة أبوابها؛
وعبثاً أفرط الزرع في النضج،
والغيضة المعتمة خاوية،
والقرية كالمنزل المحترق
همد فيها كل شيء.
وحدها المقبرة.
لا تقفر ولا تصمت.
كل دقيقة يجلبون أمواتاً،
والأحياء يئنون
ويتضرعون إلى الرب بخشوع
أن يرحم موتاهم.
كل دقيقة يحتاجون إلى مكان
والقبور تتلاصق وتتزاحم
كقطيع مذعور.
إذا كان مُقدراً لربيعي
أن يثوي في قبر مبكر
فإنني أتوسل إليك
يا من حُبُّهُ تيّمني
وغدا بهجة حياتي
ألاّ تقترب من جثمان حبيبتك جيني
ولا تلامس شفتيها الميتتين
بل اتبعها عن بعد فحسب.
ثم اهجر البلدة بعد ذلك
وغادر إلى أي مكان
يمكن أن تبرأ روحُك فيه
من العذاب، وتستريح،
وعندما يخمد الوباء
زُرْ رُفاتي المسكين
إن إدموند لن يفارق جيني
حتى في رحاب السماوات.
الرئيس
نشكرك يا ماري العميقة التفكير
نشكرك على هذه الأغنية الشجية
لابد أن الطاعون في الأيام الخوالي
زار هضابكم ووديانكم
وتردد الأنين الحزين
على طول ضفاف المسايل والجداول
التي تجري الآن بجذل وطمأنينة
عبر الجنة البكر في أرض آبائك؛
أما تلك السنة المتجهمة التي سقط خلالها
كثير من الضحايا الشجعان الطيبين، الرائعين
فإنها لم تخلف وراءها ما يذكّر بها
سوى أصداء واهنة في أغنية راعٍ بسيطة
حزينة وممتعة.. لا.. لا شيء يحزننا
في غمرة الطرب
كالصوت الفاتر الذي يردده القلب.
ماري
آه، ليتني لم أغنّ قط
خارج كوخ أهلي!
كانوا يحبون سماع ابنتهم ماري
ويخيل إليّ أنني أصغي إلى ذاتي
وأنا أغني في مرابع أهلي.
كان صوتي آنذاك أحلى،
لقد كان صوت البراءة.
لويزا
أمثال هذه الأغاني
لم تعد الآن دارجة، ولكن مع ذلك
ما زالت ثمة نفوس بسيطة
تسعد بالذوبان في دموع الأنثى
وتصدقها بيقين أعمى.
إنها واثقة بأن نظرتها الدامعة
لا تُقاوم، ولو أنها فكرت أيضاً في الضحك
لما كفت طوال الوقت عن الابتسام.
ما إن امتدح وِلسِنغام
حسناوات الشمال الصاخبات
حتى راحت تئن وتتنهد، كم أكره
صُفرةَ هذا الشعر السكوتلندي.
الرئيس
اصغوا: إني أسمع وقع عجلات
(تقترب عربة ملأى بالجثث يسوقها زنجي)
أوه! لويزا تفقد الوعي
لقد ظننت عند سماع أقوالها أن لها قلب رجل
ولكن هكذا الأمور: القاسي أضعف من الحنون
والخوف يعشش في النفس التي تمضّها الأهواء
رشي يا ماري وجهها بالماء.. إنها الآن أحسن
ماري
آه يا أختَ حزني وعاري
استلقي على صدري
لويزا (مستعيدة وعيها)
شيطان رهيب
جاءني في الحلم: أسود كله وعيناه بيضاوان..
دعاني إلى عربته المليئة بأمواتٍ
يتمتمون بكلام فظيع غير معروف
قولوا لي: هل كان هذا حلماً؟
هل مرت عربة من هنا؟
الشاب
إيه، لويزا
هيا امرحي ـ
مع أن شارعنا كله
ملجأ صامت من الموت
وموئل لمآدب لا يعكر صفوها شيء
إلاّ أن هذه العربة السوداء
لها الحق في أن تجول حيث تشاء
وعلينا أن نسمح لها بالمرور.
اسمع يا ولْسِنغام: لكي ننهي الجدال
ونزيل آثار الإغماءات الأنثوية
غنِّ لنا أغنية طليقة، حية
خالية من روح الحزن السكوتلندي
أغنية عربيدة مستوحاة
من الاحتفالات الباخُسِيّة(1)
ومولودة وسط كؤوس فوّارة.
الرئيس
لا أعرف أغاني كهذه، لكن سأغني لكم نشيداً
على شرف الطاعون، كتبته بنفسي
ليلة أمس عندما افترقنا.
فقد شعرت برغبة غريبة في نظم القوافي
للمرة الأولى في حياتي.
اصغوا إلي الآن:
إن صوتي المبحوح يليق بهذه الأغنية.
أصوات كثيرة
نشيد على شرف الطاعون! لنسمعه!
نشيد على شرف الطاعون! روعة! مرحى! مرحى!
الرئيس (يغني)
عندما يُقبل الشتاء الجبار
كزعيم مقدام يقود بنفسه
جحافله المشعثة نحونا
مدججة بالثلوج والصقيع
نقابله بنيران المواقد المضطرمة
وحرارة مآدب الشتاء المرحة.
*
والآن يهاجمنا القيصر الرهيب ـ
الطاعون ذاته
مغرياً نفسه بحصاد وافر؛
وهو لا ينفك يطرق نوافذنا
في الليل والنهار برفش حفار القبور
فماذا نفعل؟ وكيف نتخلص؟
*
ليس بالعلم وحده نستطيع التوصل إلى فهم العقل البشري على نحوٍ أفضل، فعبر العصور تمكن كتّاب النثر الروائي والقصصي أيضاً من الولوج إلى داخل ذلك العقل. وقد كان الكاتب الأمريكي إدغار آلان بو واحداً من أولئك الأدباء الذين حاولوا سبر أغوار النفس الإنسانية على نحوٍ دقيق ومُثير. وُلِدَ هذا الكاتب الشهير في مدينة بوسطن في ماساشوستس عام 1809، وتُوفي بعد ذلك بأربعين سنة مليئة بالأحداث العاصفة من مُعاقرة الخمرة والمقامرة وإقامة علاقات غرامية عديدة، لكن سنيّ شبابه كانت حافلة بالأعمال الأدبية وغزيرة بالكتابات الصحفية الجادّة. وما تزال أعماله القصصية والروائية تتمتّع بشعبية واسعة في أيامنا هذه، وقد استُخدم العديد منها كأساس لمسرحيات وأفلام حديثة. وقد اشتهر إدغار آلان بو في الأوساط الأدبية والفنية بسبب براعته في كتابة قصص الرّعب، مثل قصة “القلب الفاضح”. وتمتاز هذه القصة في أنها كُتبت من خلال وجهة نظر إنسان مجنون يرتكب جريمة فظيعة ويُحاول بمكر أن يُخفي ملامحها. وقد وصف العديد من علماء النفس والمتخصصين بعلم الجريمة الدقّة البالغة التي تناول بها إدغار آلان بو العمليات الداخلية العميقة التي تجري في عقل مصاب بالجنون على نحوٍ حادّ. ومن المفيد والمثير أن نُلاحظ هنا بوصفنا قرّاء سمات تفكير وفهم وحديث وردّة فعل شخص مُصاب كشخصية الشاب في هذه القصّة.
القصة:
كُنت حقيقةً متوتراً جداً وبشكلٍ فظيع وما زلت كذلك؛ ولكن لماذا ستقولون عنّي إنني مجنون. لم يجعل المرض حواسي خائرة أو فاترة، بالعكس فقد أصبحت حادّة. وقبل كل شيء غدت حاسة السمع شديدة. إذ كنت أسمع كل الأشياء في السماء وفوق الأرض. وسمعت أشياء كثيرة في الجحيم. فكيف أكون مجنوناً؟ أصغوا! ولاحظوا صحتي وهدوئي في سرد قصتي كاملة عليكم.
إنه لمن المستحيل القول كيف دخلت الفكرة إلى ذهني أول مرّة؛ لكنها منذ أن خطرت في بالي، أخذت تؤرقني في النهار والليل. لم يكن لدي أي هدف، كما لم تكن هناك عاطفة. أحببت الرجل العجوز. لم يُخطئ في حقي قط. ولم يوجه أية إهانة. ولم يكن لديَّ رغبة في السطو على ذهبه. أعتقد أن عينه كانت هي السبب! نعم كانت هي! كانت لديه عين نسر ـ عين زرقاء فاتحة اللون عليها غشاوة. فكلما وقعت عينه عليّ تسري البرودة في دمي. وبالتدريج عزمت على أن أُزهق حياة ذلك العجوز. وبهذا أخلّص نفسي من عينيه إلى الأبد.
الآن إليكم القصّة. أنتم تتخيلون أني مجنون. فالمجانين لا يعرفون شيئاً. ولكن لابدّ أنّكم كنتم قد رأيتموني. لابدّ أنكم رأيتموني كيف أواظب باتّزان ـ مع ذلك الحذر وبُعد النّظر والشطارة ـ على القيام بذلك العمل! كنت طيّباً جداً مع الرجل العجوز طوال أسبوع كامل قبل أن أقتله. إذ كنت أذهب في منتصف كل ليلة فأُدير قفل بابه وأفتحه بلطفٍ بالغ. فتحته فقط فتحة تكفي لإدخال رأسي. أوه، كان يمكن أن تضحكوا كيف أدخلته بدهاء! حركته ببطء شديد جداً حتى لا أُوقظ الرجل العجوز من نومه. استغرق الأمر مني ساعة كاملة كي أولج رأسي من خلال فتحة الباب، حتى أمكنني من أن أراه مُستلقياً على سريره. ها ـ كيف لمجنون أن يكون ذكياً جداً هكذا؟ وعندما أصبح رأسي داخل الحجرة تماماً. فككت الفانوس المعلّق من مكانه بحذر شديد ـ شديد جداً ـ لأن مفاصل الباب أحدثت صريراً ـ فسقط شعاع رفيع على عين النسر. وهذا ما ظللت أفعله لمدة سبع ليالٍ طوال ـ كل ليلة وفي منتصفها تماماً ـ لكنني كنت أجد عينه دائماً مغلقة؛ ولذلك كان من المستحيل إنجاز العمل، لأن
جمالية (هيغل) الخالدة
(1770-1831م)
بقلم: محمد الأحمد
أي مبحث يتحدث عن الجمال، لابد له أن يمرّ عميقاً بوجهة نظر الفيلسوف الألماني (هيغل HEGEL)، لأنه أعطى في الجمال مبحثا كبيرا وعظيما في تحسس الجمال، من وجهة النظر المادية الخالصة، على مدى التاريخ، وبقي لامعاً كأحد كبار فلاسفة التاريخ، بالإضافة إلى الفيلسوف الإيطالي (فيكو)، والفيلسوف الفرنسي (أوغست كونت)، و(كارل ماركس)، أو سواهم، وقد ناقش فكرة الجمال باعتبارها علماً خالصا، وعلاقة هذا العلم العريض بالإنسان المبدع الذي تطور بشكل فائق على ظهر البسيطة، بأفضلية حسه العميق بالطبيعة، والحيوان، والغريزة، (الشكل الاستطيقي باعتباره يخدم هدف التعبير عن كل اللحظات الأساسية في شمولية العمل الفني )، وبقي يتطور بشكل غير محدود عبر نظره الثاقب، ككائن راقي بين من يشاركونه العيش على كوكب الأرض، موعزا بان هذا الإنسان لن يكف عن تذوقه، وسوف يفقد إنسانيته لو كف عن التذوق، كان (هيغل) فاعلا بعصره ومؤمناً بأن الفلسفة لابد أن تكون بنت عصرها، وأية فكرة بعيدة غير مهتمة بهمومه لن تفهم جيدا إلا إذا وضعت ضمن سياق ذلك العصر، وهمومه، وقضاياه الأساسية، إذ عاش الرجل أكثر من واحد وستين عاما (1770-1831م)، وقد عاصر إحداث كونية، وأساتذة كبار، فكان تلميذا نجيبا لأستاذ الجيل كله (كانط) رائد الفلسفة العالمية المتحرر نحو طريق النور، والحقيقة، والتقدم، الذي كان أستاذ للجميع بلا منازع من (فيكته) إلى (شيلنك)، وكتبه الشهيرة كانت محظورة في الجامعة، و(ذلك لأن الأساتذة التقليديين المتعصبين كانوا يراقبون الطلاب لمعرفة ماذا يقرأون في خلواتهم أو غرفهم قبل النوم، ولأن كانط كان ممنوعا من قبل الأصوليين المسيحيين فإن الطلاب ما كانوا يتجرؤون على قراءته علنا )، وقد شغف (هيغل) بمنهج فلسفته العقلانية التنويرية، وقد عقد آمالا كبيرة على الثورة الفرنسية (1789م)، كذلك كان معجبا باندلاع الثورة الصناعية الإنكليزية، التي انطلقت أول الأمر من (إنكلترا) وشاعت بكل أوروبا الصناعة، ومعها اندلعت من هناك مبادر السيطرة على التكنولوجيا، والطاقة، وانطلقت الآلات الحديثة تبرز تقنياتها المتطورة فيها منذ وقت مبكر، بشكل ملفت، وتحقق التقدم بتخفيف معاناة الإنسان والسيطرة على الطبيعة، ومواردها الحية، الغنية بالطاقة وتسخيرها لخدمة البشرية، فكانت تلك جوهر المنطلقات الفكرية الحقيقية التطبيقية لفلسفة (هيغل)، وقد بدا تأثيره على كل الفلسفات المعاصرة التي جاءت بعده، (كلها خرجت من معطفه بشكل أو بآخر)، بفضل رياديته في مسّ صميم شريحة عالية من المجتمع الإنساني الذي أصبحت جلّ مفرداته صناعية، فجاءت مستلهمة من أطروحاته الدقيقة و تدعم رأيه، وما كان يصدر من غيره كرد فعل، ضده، جعله يطور أفكاره بها، فالفلسفة الوجودية خرجت من معطفه، وكذلك الفلسفة الماركسية، أما الفلسفة الوضعية أو التحليلية الإنكليزية، فقد تشكلت ضده أو كرد فعل عليه وعلى أطروحاته وأفكاره الأساسية، وصارت كدرس قويم، حيث لا توجد جامعة في العالم إلا وهي تدرس فلسفته، وتشرحها، وتحللها، وتنقدها، وبات للفلسفة الـ(هيغل)ـية أساتذة كبار وبقيت بذاتها كالفلسفة (الأرسطوطاليسية)، أو الفلسفة (الديكارتية)، وفلسفة (هيغل) ليست بالصعبة والغامضة، ولكنها تتطلب المزيد

في عام 1964، أصدر الفنان السرّيالي الكبير سلفادور دالي كتاباً بعنوان «يوميات عبقري» لدى دار «الطاولة المستديرة» (باريس)، وهو كناية عن دفتر يوميات يغطّي المرحلة الممتدة من عام 1953 الى عام 1963 من حياته، ويُشكّل تكملة لسيرته الذاتية التي صدرت بعنوان «حياة سلفادور دالي السرّية». ونظراً الى أهمية الكتاب وشهرة صاحبه، نفدت نسخه في العام ذاته من دون أن تقوم دار النشر المذكورة بإعادة طبعه. وهذا بالتأكيد ما دفع دار «غاليمار» الباريسية إلى شراء حقوق نشره وإلى إصداره من جديد مرفقاً بفيلم «كلب أندلسي» (1929) الرائع الذي شارك دالي مع المخرج السينمائي الكبير لويس بونويل في تحقيقه.
نتعرّف في هذا الكتاب الذي يقع في نحو 300 صفحة على أفكار دالي وشواغله كفنانٍ وظروف لقاءاته مع أبرز شخصيات عصره ومواقفه الجمالية والأخلاقية والفلسفية والبيولوجية، الأمر الذي يمكّننا من فهم شخصيته المثيرة والمعقّدة ومن التعمّق في منهج عمله الفني الذي أطلق عليه اسم «الذهان التأويلي النقدي»، وبالتالي من تحديد طبيعة عبقريته التي سعى طوال حياته إلى إبرازها وإلى الترويج لها. ومن أبرز الموضوعات التي يتناولها في هذا الكتاب: إلحاده في بداية مساره النابع من قراءته للكتب التي كانت موجودة في مكتبة أبيه، سرّياليته التي لم تكن تعرف أي إكراهٍ جمالي أو أخلاقي، نزعة التفوّق لديه ا
ثمة إشكال كبير يداهم المحقق في أثناء طيه لطريق التصوف الإيراني، ولعل مردّ ذلك إنما يعود إلى تلك الاستدلالات والاستنتاجات الغريبة التي انتشرت في العالم قبل نحو قرن ونصف؛ أي منذ أن اجتاح عالمنا الفكر الاستشراقي الأوروبي الذي يتسم بنظرة عنصرية وأنانية مفرطة، تجعل أصحابه يعدون أنفسهم أساس كل علم وإبداع، فهم يدّعون أن الأوروبيين ورثة الحضارة اليونانية والرومانية، وبالتالي فهم يسعون جاهدين لتقصّي آثار اليونان والرومان في كل مكان وزمان، ويرجعون كل إبداع إلى حضارة اليونان والرومان والإسكندرية.
والحق أن هذا الاستدلال صحيح فيما يمسّ عناصر الحضارة الأوروبية؛ أمّا فيما يخص الحضارات الشرقية ولا سيما الصينية والهندية والإيرانية فليس كذلك إذ أنها تتقدم بقرون على حضارات اليونان وروما وبيزنطة والإسكندرية فالحضارات الشرقية القديمة لم تتجذّر في أعماق تلك الربوع قبل أقرانها الغربية فحسب؛ بل إنها خيّمت وألقت بظلالها الوارفة على الحضارة الغربية حينما وردت إلى تلك البلاد، وجاورت حضارات أصحابها الشرقيين، فأنّى لهذه الحضارة الحديثة العهد أن تقتلع تلك الحضارة الشرقية العريقة والضاربة في أعماق التاريخ؟!
ولعل التصوف الإيراني أحد الفروع الأكثر طراوة ونضارة لتلك الشجرة العريقة التي تعود إلى مئات السنين، والذي تجذر في أعماق تلك الأصقاع، وامتزج مع الفكر الإيراني كامتزاج الحليب والسكر، وذلك قبل قرون من وصول طلائع الحكمة اليونانية إلى أعتاب آسيا.
ولما كان ذلك كذلك فمن غير الصحيح إطلاقاً اعتبار الحكمة الأفلاطونية الجديدة والمشرب الإسكندراني والهرمزي، ومن باب أولى الإسرائيليات والعبرانيات وأحكام التلمود وأمثال ذلك من التعليمات النصرانية والصابئة، منبعاً أو مصدراً للتصوف الإيراني.
وإذا كان ثمة تشابه بين بعض ملامح الفلسفات الغربية والتصوف الإيراني فهذا يبرز الأمر لكن بشكل معكوس؛ أي أن التصوف الآريّ الإيراني كان هو المؤثر وليس المتأثر. والواقع أن الحقيقة الدقيقة والمهمة قد فاتت جميع المستشرقين الذين عملوا في حقل التصوف، لهذا فإن دراساتهم تلك لا تفتقر إلى الفائدة فحسب، بل إنها مضللة. ولعل المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون أحد الذين غاصوا في مستنقع الخطأ والانحراف، فقد كان كاثوليكياً شديد التعصب، قصير النظر، وكانت نتائج أعماله تجانب مقاييس العقل والعلم، وكان معظمها أقرب إلى الجانب الديني والسياسي منها إلى المعايير العلمية المحض. وهو على خلاف العالم الإنكليزي رينولد نيكلسون الذي كان أكثر علماً وأرفع خلقاً، حيث كان ملمّاً ببعض المعارف الإيرانية قبل الإسلام، واستطاع على الأقل أن يتقصّى بعض جذور التعاليم الصوفية في كتاب (ارداويراف نامة) البهلوي، وفي الديانة البوذية.
لكن مع ذلك فهذا ليس كافياً، فالأمر يحتاج إلى مزيد من المعلومات والدراسات.
إن التشابه الظاهري بين عادات بعض فرق التصوف وعباداتها وبين زهد الرهبان النصارى وتنسكهم، قد أغوى الكثير من المستشرقين، وحرفهم عن جادة الحقيقة والصواب، وجعلهم يعتبرون التصوف تقليداً لرهبانية النصارى في صدر الإسلام.
وإذا كان ثمة صحة في هذا الادعاء فهي تنطبق على متصوفة العراق والجزيرة العربية؛ أما على التصوف الإيراني فإطلاقاً.
إن الشبهة الكبيرة التي عرضت لهؤلاء المستشرقين هو أن تعاليم النصارى ولا سيما الكاثوليك التي تعود إلى كتب العهد القديم أي التوراة والتعاليم اليهودية قد تسرّبت في نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الهجري إلى تصوّف مصر وسورية بعد أن أوردها محيي الدين بن عربي في مؤلفاته، الأمر الذي جعلهم يعتبرون الإسرائيليات والعبرانيات، أي التعليمات اليهودية إحدى أسس التصوف ومبانيه، أما الواقع فهو أن جميع مناحي التصوف الإيراني قد خلت من أدنى إشارة إلى أحد أنبياء بني إسرائيل وأقوالهم، فالتصوف الإيراني في مجمله حكمة آرية محض، لا تحوي أدنى رابطة مع فكر الشعوب السّامية، وهذا بحق يعد أحد مواهب الآريين ومفاخرهم.
إن الخطأ الفاحش للمستشرقين فيما يخص التصوف الإيراني هو أنهم في الغالب كانوا يترجمون كلمة (تصوف) بلفظ mysticisme والمعروف أن كلمة mysticisme وmystique مشتقة من كلمة mysterium اللاتينية التي تعني الإبهام والغموض، أو من كلمة musterion اليونانية التي تعني العلم والمعرفة، وهذه كلمة يمكن إطلاقها على كل حكمة تعليمية مدونة لكن مستوردة وغير علنية. على أن التصوف الإيراني لم يكن كذلك على الإطلاق، فتعاليم الصوفية كانت دائماً واضحة معلنة، بل كان المتصوفة يخاطرون بأرواحهم في سبيل تبليغها.
وفي بعض الأحيان كان المستشرقون يترجمون كلمة التصوف بلفظ esoterisme المشتقة من الكلمة اليونانية esoteriros التي تعني (الخاص بالأنصار) وهذه الكلمة يمكن أن تطلق على الحكمة التي تُعلم للمقربين والخواص دون أن يكون هناك جواز لإعلانها ونشرها. وهذا النوع من التعليم أول ما كان شائعاً في إيران في الديانة المانوية، ومن ثم في تعاليم الإسماعيلية، وفي بعض الطرق النصرانية، أما في التصوف الإيراني فلم يكن موجوداً إطلاقاً، وإذا كان التصوف الإيراني يتسم بخصائص كالخلوة والأربعين والانزواء فهي تهدف إلى تهذيب الأشخاص، وتعويدهم على الرياضات والمجاهدات، وإلا ففي الأربعين والخلوات والأوراد لم تكن ثمة أسرار مستورة ومخفية.
إن السمة الرئيسية في التصوف الإيراني هو أنه كان على الدوام (طريقة) يعني مشرباً و

اوكتاف ميربو (1848 – 1917)
إذا كانت الحركة السياسية الفوضوية الفرنسية، التي وصلت الى ذروة ازدهارها عند النقطة الفاصلة بين نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تفخر بواحد من الكتّاب الكبار معلنة، من دون التباس انتماءه اليها، فإن هذا الكاتب لن يكون، بكل تأكيد، سوى أوكتاف ميربو، الذي بعد خفوت ذكره خارج فرنسا خصوصاً، طوال النصف الأول من القرن المنصرم، أعاده المخرج الاسباني الفوضوي لويس بونويل، الى الواجهة خلال الخمسينات وما بعدها، حين اقتبس فيلمه «يوميات وصيفة» من رواية لميربو. هذا خارج فرنسا على رغم ان الفيلم فرنسي، أما داخل فرنسا فإن أعمال ميربو، ولا سيما المسرحية منها، تقدم في كل المواسم مبقية ذكره متواصلاً، كواحد من الكتّاب الكبار الذين آثروا دائماً أن يسيروا عكس التيار. غير ان هذا لن يمنعنا من الإشارة الى أن سمعة ميربو، في العالم خلال السنوات الأخيرة من حياته جعلت أعماله الرئيسة تترجم الى نحو ثلاثين لغة ولا سيما بعد أن كتب نصوصاً عدة دافع فيها عن الضابط درايفوس الذي وقع ضحية للتيارات المعادية للسامية في الحكاية المعروفة. وقد كان ميربو من أعنف المدافعين عن درايفوس الى جانب اميل زولا.
في شكل عام كان أوكتاف ميربو ثورياً حقيقياً، عبر عن ذلك في مواقفه ونضالاته ووقوفه الدائم ازاء كل القضايا الطليعية، كما عبر في أعماله المسرحية والروائية ومقالاته الصحافية، هو الذي كان دائماً ما يستشهد بالفقرة التالية التي وردت في أحد نصوصه: «طوال القرون التي عاشها النوع البشري، كانت المجتمعات في صعود وفي هبوط. لكنها على رغم اختلافاتها كانت كلها تتشابه في حقيقة واحدة هي التي حكمت التاريخ: حقيقة تقول ان الكبار دائماً ما كانوا محميين، أما الصغار فدائماً ما كانوا مسحوقين».
لقد كان معظم ما كتبه ميربو انعكاساً، في جوهره، لهذه النظرة، من دون أن نكون – طبعاً – في حاجة الى أن نشير، الى أي جانب وقف ميربو واتجهت كتاباته. غير ان ما يمكننا قوله هو ان هذه الكتابات نفسها كانت تتفاوت جودة
أقسمُ أنه كانَ حُبّاً للروسي: بولات أكودجافا ـــ ت.د.ثائر زين الدين
«مختارات من شعر الشاعر الروسي: بولات أكودجافا»
«إن موضوعة قصائدي المُغنّاة هي ـ الحب؛ منذُ زمنٍ طويلٍ ـ تقريباً ـ لم يغنوا عندنا عن الحب، وظلّت المرأة في الآن نفسه وبالنسبة للكثيرين كائناً يبعثُ على الشك. وأنا انطلاقاً من احتجاجي على المراءاة والنفاق قررتُ أن أغنّي المرأة كائناً مُقدّساً، وأن أركع أمامها على ركبتيَّ. عليَّ أن أعترف أن السخرية هذه المرّة قد خذلتني، فإذا ما أحسستُم بشيءٍ منها؛ فإنما هي سخرية من نفسي كمؤلّف لهذهِ النصوص ـ الأغنيات، التي تعكسُ عجز الرجل، وحظّهُ العاثر».
بولات أكودجافا
* ـ لا تحنـي رأسكِ
لا تحني رأسكِ
من النكباتِ، والحظِ العاثر
أُمي، أيتها الحمامة البيضاء
إنّ صباحاً جديداً ينذرُ بالشروق.
سيغسل كُلّ شيءٍ حتى النقاء
ويعيد ترتيبَ الأمور من جديد؛
فترحَلُ الوحدة
ويعودُ الحب.
وحلوةً؛ كَمنحلةٍ في منتصف النهارِ
كأصواتٍ قادمة من الطفولة
تصبحُ يداكِ.. أغنياتُكِ
وعيناكِ الخالدتان
* ـ عندما تكونين قريبةً جداً..
…عندما تكونينَ قريبةً جداً
لا أجدُ نفسي إلا متجهاً إليكِ
تتحوّلُ الرقّةُ إلى اندفاع وهجوم
فتدوّمُ في شراييني الهادئة
وكاندفاعِ سَريّةٍ، أو كتيبةٍ من الجنود
تنسكبُ في روحيَ صاخبةً،
ثُمّ تسقطُ رايتُها الزرقاء
فوقَ كتفيكِ.
أتعلمينَ (أوليا)، في هذا الشارع
حيثُ تتجمّدُ البيوتُ القديمة
جمعتِ الشُعراءَ المُبارزاتُ،
وجُنَّ الطُلاب!
وتستمِرُّ حركةُ الحياةِ
على امتدادِ هذا الشارع. ويُتابعِ القرنُ صَخَبَهُ
الأوراقُ تواصِلُ سقوطها اللولبي في الهواء،
وكعوبُ أحذية النساء قَرْعها على الإسفلت.
ولأجلِ كرم يدكِ المبسوطة
شيءٌ ما يضيءُ لي في نهايةِ الطريق!
وينضجُ في صدري شعورٌ غريبٌ
يضيقُ عنهُ الصدر.
* ـ وأخيراً ظهرَ في البيت
إلى أوليا
وأخيراً ظَهَرَ في البيت!
حيثُ حَلُمَتْ، مئةَ عامٍ، أن تراهُ فيه
وإلى حيث ظلّ مئةَ عامٍ يستعجل القدوم
هكذا هي أرادتْ، هكذا أراد.
أُقسِمُ أنّه كانَ حُبّاً!
فتأمّل ـ ذلك كان صنيعُها
لكن لو أنكَ دعوتَ الربّ نفسَهُ إليك
أتظنُ أن شيئاً ما في الحُبِ
يمكن أن يُفْهَم؟!
وقَرَعَ مطرٌ متأخِّرٌ زجاج النافذة؛
وظلّت صامتةً، وظلّ صامتاً،
ثُمّ استدارَ لكي يغادر،
ولم ترمِ نفسها على صدرها.
أُقسِمُ أنّه كان حُبّاً!
فتأمّل ـ ذلكَ كان صنيعُها
لكن لو أنكَ دعوتَ الربَ نفسَهُ إليك
أتظنُ أنّ شيئاً ما في الحُبِ
يمكن أن يُفْهَم؟!
* ـ هذه المرأة
هذهِ المرأةُ أراها فيُعقَلُ لساني
ولذلك ـ لو تعلم! ـ لا أحدّقُ فيها
آخ، لا أُصدِّقُ طائِرَ الوقواق،
ولا زهرةَ الأقحوان،
وإلى الفجرِ لا أذهب.
ويُبربرون: «لا تعشقْ امرأة كهذهِ!»
ويُهمهمون: «ستعيش حتى الفجر!»
آخ… ويبصّرون، ويُشعوذون، ويُزمجرون..
أمّا هي فتتابِعُ حياتها في حيّنا!
* ـ النساءُ الحريريّات
وعند المساء، حين تُحلّقُ فوق رأسك
طيور الكراكي مبحوحةَ النداء
تَلتمُّ مجموعةُ النساء الحريريّات
وكلهّنَ رغبة في إلقاء الستارِ عليكِ!
صامتات، مُتحفّزاتٌ لفعلِ أي شيء
يذرعنَ المكانَ، ناثراتٍ جمالهنَّ!
أيتها الحريريّات… ماذا يحدثُ لكنَّ!
هلْ أصابكن الجنون ـ إنها واحدة منكن!!
هناك خلفَ منعطف «ماليا برونا»
حيثُ النافذةُ المشرّعة إلى الجنوب
تجدنَ من يُقدِّمُ لأجلِ حاجبيها الخائفين
عشرةَ أزواجٍ من الحواجبِ الصارمة
أولئكَ الذين أحبّوها
ربطهم القدرُ بها إلى الأبد
وما عادت البواشقُ
تطاردُ الحماماتِ الزرقاوات.
أما أنا فليسَ لي أن أتحرّرَ من إساري
هكذا قُدّرَ لي، وهكذا أعيش
إنّما أنا ذلكَ الكيميائي، وأنتِ مسألتي الأبديّة
مسألتي التي لا حَلّ لها.
* ـ أغنية عن البالون الأزرق
الطفلة تبكي: البالونُ يطير!
يهدِّئونها، والبالونُ يطير.
الفتاةُ تبكي: ما مِنْ عريسٍ حتى الآن.
يهدئونها: والبالونُ يطير.
المرأة تبكي: الزوجُ هجرني إلى سواي.
يهدِّئونها: والبالونُ يطير.
تبكي العجوزُ: لم أعشْ إلا قليلاً
يعودُ البالونُ، أمّا لونُهُ فأزرقْ!
* ـ هكذا تحبّنـي “إلى أوليا باتراكوفا”
عينانِ كقبّةِ سماءٍ خريفيّة
سماءٍ لا نار فيها،









